shahen

حيثيات ادراج هذا البطل هي مقال للكاتب الصحفي ابراهيم حجازي ضمن سلسلة مقالاته الشهيرة "خارج دائرة الضوء" التي سنشرها في الاهرام المصرية كل جمعه 

 

 
الجمعة
2005 اغسطس 26
يوم20 أكتوبر وربما19.. صدر قرار بدفع لواء المظلات الذي شرفت بالانتماء له إلي منطقة وادي العشرة غرب القناة لمنع قوات الصهاينة في الثغرة من التحرك شمالا تجاه الإسماعيلية!. نحن في شهر رمضان ووالله أغلب مقاتلي لواء المظلات صائمون وحتي الآن أنا لا أعرف أي قوة تلك التي منحها الله لنا وكنا عليها وبها ومعها نصوم ونحن لا نعرف في أي وقت سنفطر وهل ستسمح الظروف أم لا.. بأن نأكل!. الإفطار هو نفسه تعيين القتال الذي هو علبة كرتون صغيرة بها تعيين جاف عبارة عن معلبات وباكو بسكوت بديل للعيش وهذا التعيين لليوم بأكمله!. المعلبات عليها نفطر إذا أفطرنا وبها نتسحر إن تمكنا!. المهم أننا دخلنا موقع لواء المظلات ووحداته الفرعية المحدد.. دخلناه بعد أذان المغرب بفترة والليل أسدل ستائره السوداء حيث لا قمر ولا يحزنون ولا استخدام لأي إضاءة من أي نوع لأننا علي' وش' الأرض ولم نحفر مواقع بعد وهناك تداخل مع قوات العدو في مناطق كثيرة وكل واحد منا نفسه في كوب شاي.. لكن كيف قبل أن نحفر مواقعنا؟. وفجأة حدث ما جعلنا ننسي تعب الدنيا وننسي أننا لم نفطر بعد ولم ولن نشرب كوب الشاي الذي نحلم به.. كله اتنسي مع اشتباك بدأ بنيران الأسلحة الخفيفة والرشاشات وانقلب إلي الهاون والمدفعية واستمر إلي قرابة منتصف الليل وبعد توقف النيران بدأت عمليات استطلاع محدودة من كل جهة للمنطقة التي تمركزنا بها وخلال هذه المهمة شاء الله أن تتعثر قدماي في جسم غريب وسط الظلام الدامس وعرفت علي الفور أنه مظلة وهذا شيء سهل معرفته علي مظلي.. ومشيت مع المظلة إلي أن وصلت إلي حبالها فعرفت أنها مظلة طيار وتأكدت عندما وجدت جثمان الطيار!. قلت في نفسي ولنفسي إن كان في العمر بقية وإن سمحت الظروف فسوف أدفن هذا الطيار في مقابر الشهداء الموجودة في وصلة أبو سلطان!. هذا ما عاهدت عليه نفسي أمام الله وأنا لا أعرف هوية هذا الطيار!.
وجاء اليوم التالي والأمور هادئة بدون اشتباكات وانشغلت في عمل لوقت طويل وما إن انتهيت منه حتي قررت تنفيذ وعدي بالذهاب إلي موقع الليلة الماضية لأجل دفن هذا الطيار. اتصلت بالنقيب مصطفي طنطاوي قائد سرية النقل بقيادة اللواء وطلبت عربة جيب. طلبت وأنا أعرف أنه مطلب غير قانوني مثلما أعرف أن الفكرة كلها تقودني وتقوده إلي محاكمة لأن ما سأقوم به مخالف للتعليمات والأوامر!. المهم حصلت علي السيارة ووجدت رغبة لدي اثنين من الضباط في مرافقتي هما الملازم أول نهاد والملازم أول صبري ورافقني أيضا العريف مجند أحمد عسكر وهو من أقرب الأصدقاء للآن.. والأسماء الثلاثة وأيضا الأسماء التي سترد فيما بعد.. كلهم علي قيد الحياة وأطال الله في أعمارهم.. ويمكن الرجوع إليهم!. المهم أخذنا معنا صندوق ذخيرة فاضي وشاش وقطن وزجاجات كولونيا كانت تصلنا من التوجيه المعنوي وتحركنا قبل آخر ضوء بساعة ونصف الساعة تقريبا وذهبنا لموقع الأمس وقمت بتخليص الجثمان من المظلة ووضعناه ملفوفا في الصندوق وأخذنا نبحث في الحطام عن أي شيء يشير إلي هوية الطائرة إلي أن وجدنا رقم الطائرة مكتوبا علي جزء من حطام الجناح وأتذكر أنه كان من أربعة أرقام وحطام الطائرة مع الرقم أكدا أن الجثمان لطيار مصري شهيد!
نسيت أن أقول لحضراتكم إننا عندما تحركنا لهذه المهمة من قيادة اللواء إلي المنطقة الموجود بها الجثمان.. مررنا بحقل ألغام للدبابات درجة أولي أي الألغام موضوعة علي وجه الأرض وليست مدفونة وموضوعة في نصف دائرة كبيرة جدا.. ولأن الدنيا مازالت نورا فقد رأيت الألغام.. وفكرت في أن أمر بالسيارة في المسافة الموجودة بين لغمين لكني خشيت أن تكون المسافة بين اللغمين أصغر إضافة إلي أن الكاوتش الموجود بإطاراتها' بالوني' أي عريض جدا وربما يطول اللغم.. ووقتها سنكون جميعا في حاجة لمن يدفننا!. القصد أنني توقفت ونزلت من العربة ورفعت اللغم وهو علي شكل الصينية وقطره حوالي30 سم, أزحت اللغم جانبا ومررت بالسيارة ثم توقفت ونزلت وأعدت اللغم لمكانه لعلمي بأنني في العودة لن أسلك نفس الطريق لأن مقابر الشهداء موجودة في وصلة أبو سلطان وعندما نصلها سنعود من جهة أخري لذلك أعدت اللغم مكانه وأنا لا أدري ما سيحدث!
الذي حدث أننا بعد وضع الجثمان في الصندوق ووضع الصندوق في العربة فكرنا هل نذهب إلي مكان مقابر الشهداء من الطريق الذي يجب أن نذهب منه وهو الأطول لكنه الآمن لأنه في عكس اتجاه العدو.. إلا أننا عدلنا عن هذا التفكير بعد أن قررت القيام' بتخريمة' لوصلة أبو سلطان بدلا من الرجوع والسير في الطريق المعروف!. فعلت ذلك رغم أن السير في الصحراء لا يعرف الفهلوة وأي شيء خلاف الخريطة والبوصلة والنجوم.. هلاك!. المهم أنني نفذت مافي دماغي وتحركت بالسيارة تجاه الشرق وعيني علي نقطة إشارية هي العلم الصهيوني وطالما أنه موجود علي اليمين لا مشكلات.. لكن المشكلة أننا جميعا سرحنا والصمت أخذ كل من في العربة وأنا شخصيا كان فكري كله مشغولا بهذا الطيار ومن هو وهل هو متزوج وماذا ستفعل أمه عندما تعرف؟. كل منا يفكر في اتجاه لذلك ساد الصمت لكنه تبدد عندما نظرت فجأة إلي اليسار فوجدت العلم الصهيوني علي مسافة بعيدة منا بما يعني أننا توغلنا مسافة بعيدة داخل الأرض التي يحتلها العدو وتأكدنا من ذلك عندما نظرنا إلي جهة اليمين ووجدنا نقطة تجمع للمدرعات المنتشرة نهارا والتي تتجمع لحماية نفسها ليلا ومكان التجمع يجعلنا في مرمي نيران دبابات الصهاينة!. علي الفور أخذت قراري وهو العودة علي نفس جرة عجلات العربة أي من نفس الطريق الذي جئنا منه والرجوع علي أثر القدوم في مثل هذه المواقف هو الحل الأوحد لأن أي شيء غير ذلك في ظرف مثل هذا.. تهلكة!. واستدرت ودست بدال البنزين لآخره من أجل أقصي سرعة للعربة الجيب التي تجري علي أرض صحراوية غير ممهدة وربنا ما يكتب علي مخلوق ذلك لأننا في كل لحظة دماغنا تخبط في مواسير السقف ونترزع في الكراسي.. واقتربنا من حقل الألغام المكشوف وقلت في نفسي ولنفسي.. لو توقفت لأجل زحزحة لغم لتوسعة المكان بين لغمين تمر العربة بينهما.. لو توقفت فستكون العربة هدفا ثابتا لدانة دبابة ويبقي عليه العوض.. ولو قررت عدم التوقف معناه إما المرور في المسافة بين لغمين أو جعل اللغم في منتصف المسافة بين العجلتين.. واخترت الحل الثاني.. والتفكير والاختيار والتنفيذ في ثوان وبعد أن تخطيت اللغم نظرت إلي صبري ونهاد بطرف عيني وهما بجواري علي المقعد الأمامي نظرت إليهما ووجدت الإجابة علي ملامحهما المتحجرة!. وتنفست وكأنني لم أتنفس من سنين وانطلقت إلي حيث توجد مقابر الشهداء في وصلة أبو سلطان ووصلناها بعد المغرب بقليل ووضعنا الصندوق وردمنا المدفن ووضعنا شاهدا خشبيا كتبنا عليه شهيد طيار قائد الطائرة رقم كذا.. وعدنا ومرت الأيام ونسيت الموضوع إلي أن تقرر في نوفمبر السماح للمقاتلين بإجازة بضع ساعات وجاء دوري في هذه الساعات وكان أول ما فعلته عند وصولي إلي القاهرة المرور علي صديق العمر المقدم محمد الجافي بالأمن الحربي للمخابرات الحربية وقابلت عنده المقدم طيار عاصم غازي وهو يعمل بالجهاز مسئولا عن الطيران وتذكرت حكاية الطيار الشهيد وأعطيته رقم الطائرة وانصرفت ومرت فترة طويلة وفي أول إجازة اتصلت بالمقدم عاصم غازي وقبل أن أسأله عن الطيار الشهيد بادرني بالقول إنه نقيب طيار واسمه حسين وهو رسميا مفقود.. وطلب مني كتابة شهادة استشهاد وكتبناها ووقعنا عليها أنا وصبري ونهاد وأرسلتها للمقدم عاصم!. وقتها عرفت أن الله سخرنا للقيام بهذا العمل لأسباب كثيرة منها قطع الشك باليقين في الأمل السراب الذي تعيشه أسرة كل مقاتل مفقود!
و بفضل هذا المقال وبعد انتهاء الحرب ب٣٢ سنة، تيقنت هذه الأسرة المصرية من استشهاد ابنها وعرفت مكان دفنه
رحم الله الشهيد النقيب طيار/ حسين عبد الباقى شاهين
ادرج رسميا في قائمة الشرف الوطني المصري - باب القوات المسلحة في 14/4/2014 بعد منحه القلاده من الطبقه الذهبية